عفيف الدين التلمساني

40

شرح مواقف النفري

معنى قولهم : عرفنا أننا لا نعرفه ، فهي معرفة لنا فقد تعرف إليهم بالعزة من قولهم : عز وجود الشيء إذا تعذر . قوله : ( وواقف بمعرفة أتعرف إليه بالغلبة ) . قلت : معناه أن يغلبهم الحق تعالى على وجودهم بمحوهم فيكونون من أمره واللّه غالب على أمره فاصطلاحهم غلبة وهؤلاء سالكون باللّه لا بأنفسهم ، وطريقهم الذكر لا الفكر وأكثرهم أهل الخلوات والمجذوبون منهم وإن لم يدخلوا الخلوة . قوله : ( وقال لي : نطق الكرم بالوعد الجميل ) . قلت : هذا النطق هو نطق الحال واستعار له لفظ اللسان مجازا ، ومعناه أن « نصيبهم منه الوعد الجميل » ، وقد تقدم شرحه آنفا . قوله : ( ونطقت العزة بإثبات القدرة ) . قلت : يعني أن لسان حال العزة يظهر عجز طالبيه تعالى بالفكر ، وظهور العجز دال على قدرة من أعجزهم فاستلزمت العزة إثبات القدرة . قوله : ( ونطقت الغلبة بلسان القرب ) . قلت : معناه نطق لسان حال الغلبة ، وهي محو السالك في السلوك إليه بلسان القرب ، وهو بقاء العبد بربه لا بنفسه ، والغلبة وهو المحو يؤدي إلى هذا القرب . قوله : ( وقال لي : الواقفون بي واقفون في كل موقف خارجون عن كل موقف ) . قلت : فرّق في هذا التنزل بين الواقفين بين يديه وبين الواقفين به ، فقال في أول ذلك التنزل الواقفون بين يدي ثلاثة ، وقال في هذا : الواقفون بي ، ولذلك كان وصفه لهؤلاء بغير ما وصف به أولئك ، ومعنى الوقوف به تبدل جميع أوصافهم بأوصافه كما تقدم شرحه ، ولما كان كل معنى من معاني الدنيا والآخرة ، والظاهر والباطن ، والأول والآخر لا يخلو عن تعرف اسم من الأسماء الإلهية ، وهؤلاء قد تبدلت أسماؤهم بأسمائه كما سنشرح فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى ، كان هؤلاء واقفين في كل موقف من مواقف تعرفات أسمائه وخارجين عن كل موقف لتعلقهم بالذات العلية الخارجة عن قيود المواقف والتصرفات ، فكانوا بربهم تعالى واقفين في كل موقف خارجين عن كل موقف .